القرطبي
261
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ويقال : أفند فلانا الدهر إذا أفسده ، ومنه قول ابن مقبل : دع الدهر يفعل ما أراد فإنه * إذا كلف الإفناد بالناس أفندا قوله تعالى : ( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ) أي لفي ذهاب عن طريق الصواب . وقال ابن عباس وابن زيد : لفي خطئك الماضي من حب يوسف لا تنساه . وقال سعيد بن جبير : لفي جنونك القديم . قال الحسن : وهذا عقوق . وقال قتادة وسفيان : لفي محبتك القديمة . وقيل : إنما قالوا هذا ، لأن يوسف عندهم كان قد مات . وقيل : إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر . وقيل : قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته . وقيل : بنو بنيه وكانوا صغارا ، فالله أعلم . قوله تعالى : ( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجه ) أي على عينيه . ( فارتد بصيرا ) " أن " زائدة ، والبشير قيل هو شمعون . وقيل : يهوذا قال : أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به ملطخا بالدم ، قاله ابن عباس . وعن السدي أنه قال لإخوته : قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة . وقال يحيى بن يمان عن سفيان : لما جاء البشير إلى يعقوب قال له : على أي دين تركت يوسف ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة ، وقال الحسن : لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئا يثيبه به ، فقال : والله ما أصبت عندنا شيئا ، وما خبزنا شيئا منذ سبع ليال ، ولكن هون الله عليك سكرات الموت . قلت : وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز ، وأفضل العطايا والذخائر . ودلت هذه الآية على جواز البذل والهبات عند البشائر . وفي الباب حديث كعب بن مالك - الطويل - وفيه : " فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته " وذكر الحديث ، وقد تقدم بكماله في قصة الثلاثة الذين خلفوا ( 1 ) ، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به . وهو دليل على
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 282 فما بعد .